صراخ
أفكر في الصراخ
حين أفكر في كتابة شيء ما
عن عائلتي،
هذا على الأقل ما بقي واضحا،
وحادا كسكين
في سنواتي
العشرين الأولى.
بعض الحروف والكلمات
بقيت ناصعة في ذاكرتي
ومازالت تخيفني
حدّتها.
لذلك ربما أجد صعوبة
في التعامل إلى الآن
مع اللغة.
أمي تُرجّح أن السبب
هو تأخر نطقي للكلمات
لقد ظنوا حتى بلوغي الخامسة
أنني بكماء.
من الممكن أن تتخيل الآن كيف
كان يعيش طفل أبكم
وسط عائلة تصرخ.
الصراخ عدم ارتياح الكلمة
للكلمة الأخرى
عدم ارتياح لما قبل الكلام ولما بعده.
وعدم ارتياح الكلمة نفسها لنفسها
ككلمة، كجمع من الحروف، كمعنى.
وعدم ارتياح بشري لكل تاريخ
الكلمات واللغة والتاريخ.
وعدم ارتياح البشر
لأنفسهم لوجودهم
كبشر.
الصراخ
فزع الحروف من الحروف
وفزع الحرف من نفسه
حين يراها في المرآة
حين يسمع نفسه في صوت.
والصراخ أيضا محاولة تخلص
الكلمة
من الوجود،
من المعنى
ومن العدم
دون جدوى.
قلق الحروف من طريقتها
السلسة والروتينية في الوجود
تقفز وتهرول وتقف بشكل مفاجئ
وحاد.
الكلمات تسائل نفسها
وحروفَها
وترتيبَها
وتسائل النظام
وتُفزع العالم.
تتفكك الكلماتُ:
النطق بجملة كاملة يصبح
كمن يعبر فوق حبل مشدود
فوق هاوية
وقد تتلاشى الجملة
في أي لحظة،
أو يسقط قائلها
في حرف من حروفها الحادة.
لكل حرف إيقاعه المتصاعد حين نصرخ
وللجُمل موسيقى صاخبةً وحادةً
مثل الإيقاع الموسيقي
في فيلم رعب.
للكلمة أيضا الحق
في أن تحاول ألا تمضي هكذا
دون أن تترك أثرا في الوجود
فتصرخ ونصرخ.
أصرخ ولا أتكلم
أتدرب على أن أعطي
لذلك العدم
صوتا.
أفكر الآن كم مرة
استمعت إلى نفسي
ووجدت توازني
في صوت الموسيقى العالية والصاخبة.
كم مرة أغلقت أذنيّ بسماعات
وأنا أستمع إلى أي موسيقى بصوت عال
كي أسُكت كل الأصوات الصارخة التي احتلتني
وكي أصرخ
وتصرخ كل الأشياء داخلي.
ربما من أجل ذلك
خُلقت الموسيقى
واخترع البشر الرقص
كي يصرخ الجسد أيضا.
الصراخ هو أيضا خريف الصوت
حين تهب الريح في الكلمات
وترحل الحروف
وهي تجرب المسافات
الممكنة في الحلق
تصفّر بعض الحروف والكلمات الراحلة
في صوت متقلب وقلق
كأنها جسد يتقلب وسط نيران مشتعلة
وتموت بعض الكلمات
في صوت
حاد.
ولدت في الخريف
والكلمات داخلي
تدفعها ريح قوية وقاسية
تتطاير الأحرف وتتناثر
وأنا أجمعها بصعوبة
كي أقول أي كلام
وأحيانا كثيرة
تخرج الكلمات
من حلقي
جوفاءَ
وبلا معنى.
بيتنا كان مليئا بالصراخ
حتى أنني لا أستطيع جمعه
دون أن أتفكك
وتتفكك الكلماتُ
ودون أن تصبح الأحرف
سكاكينَ حادة.
رغم أنني نطقت أولى الكلمات
في سنّ الخامسة
غير أنني لم أتكلم كثيرا
وظل الصوت يكبر داخلي
دون أن يخرج من حلقي.
كان الجميع يُفاجؤون
حين يسمعون صوتي
كأنني أتكلم، دائما،
للمرة الأولى.
أنا أيضا مازلت أتفاجأ حتى الآن
كلما خرجت الحروف
والكلمات من حلقي
وأحيانا أتكلم فقط
كي أسمعني
وأصدق أن هذا الجسد جسدي
وأنني أنتمي إلى هذا المكان
وهذا الزمن.
وهذا العالم.
أتذكر الآن كيف كانت جارتنا تعبر الشارع
وهي تحدث نفسها بصوت مسموع
ولا تنتبه إلى ذلك
إلا حين يعلو صوتها وتصرخ
حينها تنتبه فجأة إلى الشارع
وتنتبه إلى وجودنا قريبًا منها
صغارا مشاغبين
ضاحكين أنها تتحدث لنفسها
كالمجانين.
أصرخ وحدي الآن أيضا كالمجانين
محاولةً التخلص من كل الصراخ في ذاكرتي.
وأرى كل العالم صراخا هائلا
لا يخرج من حلقي.