مساحة شاسعة بين غرفتنا وغرفة أبي
لا يحب أبي الاقتراب
من الأطفال حديثي الولادة
تكرر أمي ذلك دائما ضاحكة
كلما رأت أبي مرتبكا
وهو يبارك امرأة في الحي
يمتجاهلًا الطفل بين يديها
"ولا يقبل الرضع إلا حين
يتجاوزون الأشهر الأولى".
لا تعتقدوا سوءا بأبي
إنه رجل بدوي طيب
وبالغ الرقة
ربما يخاف أن يتهشم
الرضيع
بين يديه
الخشنتين.
يدين أتعبهما
حرث الأرض
تنتظران
ممدودتين إلى السماء
فيما الشمس تصبّ لهيبها
على حقولنا.
يحتاج الآباء أيضا بعض الوقت
في كل مرة كي يصدقوا
أنّهم قد أصبحوا آباء.
يحدق أبي فينا
يحدق في أمي
وربما يحدق أيضا في جسده
ولا يصدق أنه من اقترف
هذه الجريمة.
ربما يخاف أيضا من أن يحدق
طفله فيه
صارخا "من أنت؟".
هناك مساحة شاسعة
بين غرفتنا وغرفة أبي
رغم أنه يشارك أمي السرير نفسه
ورغم أنني نمت حين كنت صغيرة
في غرفتهما
غير أن أبي كان دائما شخصا بعيدا
ملتفًا بأسراره.
أتخيل الآن رجلا كتوما
إلى هذا الحد ينجب أطفالا
بخجل ولا يصدق ما يفعل.
أنا أيضا لا أصدق أنه أبي
أحيانا كثيرة
أرى بريقا في عينيه
وهو يحدثني بخجل
كأنه طفل لم يكبر أبدا.
كيف لطفل أن ينجب أطفالا.
كان عليه
أن يحملنا أطفالا
وأن يكتم أنفاسنا بيديه
كي يصدق أننا أبناؤه.
نحن عائلة من غرباء
ولو قيض لي أن أختار طريقة
للحديث عنها
لاخترت الرحيل
طريقا للوصول إليها.
أفكر الآن في كل ذلك
كيف لم يقبّلنا أبي
كم من القبل نحتاج الآن
كي نتصالح مع كل الآباء
وكم من الأحضان
يحتاجها أبي
كي يصدق جرائمه.