كوثر دوزي
العربيةFrançaisEnglish

كأن هناك من يضع مسدسا على محادثتنا

لا يثق أبي في الكلمات
لن أجتهد كثيرا
في تذكر كلماته القليلة
حين يجيبني على الهاتف
يقول: "كيف حالك
المهم أنك بخير
ونحن أيضا بخير"
ويمرر سريعا الهاتف إلى أمي
أو يغلق الخط.

كأنه دائما محاصرا في مكان ما
ولا يستطيع التحدث.
كأنه يهرب من شيء ما
أو ربما من اللاأحد
الذي أكونه.

كأن هناك من يضع مسدسا
على محادثتنا.

أحيانا لا أتذكر
إن كنت فعلا أجبت
عن "كيف حالك؟"
وفي كل الحالات،
لن أجيب
إلا بأنني بخير
حتى لو كنت
أتساقط.

لو تحسس فقط
كلمة "لا بأس" مرة
وما يمكن أن تحمله في أحرفها
من طعنات وبكاء.
لكنني غير متأكدة أنه يسمعني حقا.
علاقته بالكلمات متوترة
والمسدس الذي كان يهدد المحادثة
سرعان ما يطلق رصاصاته
ويقطع خط الاتصال.

في مرات كثيرة
أردت أن يطيل المكالمة قليلا
ولو صمتًا
تبادل الصمت بين الأحبة
كتبادل الأسرار
مثل تبادل الأحضان
أشياء لا يمكن الاستغناء عنها.

الثرثرة مع من نحب دفء أيضا
الكلام عن أشياء غير مهمة وتافهة
ينقذ الكلمات من الاختناق
في المحادثات المقتضبة
فتصبح الكلمات مياها
منسابة في حديقتنا
عندها تنمو أسرارنا.

الثرثرة هي الكلمات حين تصبح قطنا
تحديدا ذلك القطن المتناثر
والطفل
يقفز في فراشه
محاولا التقاطه
ضاحكا وسعيدا
كأن العالم كله
أصبح سريرا دافئا.

أحب أنا أيضا القطن المتناثر
وأحب أن تتطاير الكلمات عاليا
وأنا أقفز خلفها،
أريد أن أقول كلاما كثيرا لأبي:
ألاّ يرتبك كلانا ونحن نحاةل ارتجال الكلمات
وأن ترتاح الكلمات
أن يتطاير بعضها ويحلّق في سماء محادثتنا:
"أحبك،
أشتاقك
ليس لدي غيرك"
لكن أبي سرعان ما ينهي المكالمة.

لم أستمع إلى أنفاسه في الهاتف
وهو يحدثني عن أي شيء.
يخيّل إليّ دائما أن أنفاسه الهاربة
تختلط بجلبة الهاتف
وهو يمرّره إلى يد أخرى.

أحيانا كثيرة
أصبحت أعفي
كلماته القليلة من الكلام
أسأل عنه
حين أتصل بأمي بالفيديو
وأرفع يدي
وأسأله عن حاله من بعيد.
وهو لم يعارض ذلك.

يشير بيده ضاحكا أحيانا
وقد يغمغم بشيء لا أفهمه
ربما لا يريدني أن أسمعه

أوهم نفسي في كل مرة
أن كل شيء على ما يرام
لكنني لا أعرف
إن كان سعيدا
أو حزينا.