كوثر دوزي
العربيةFrançaisEnglish

أخوات يتدربن على الرحيل

لا تعودي، لا تعودي
تقول أختي الصغرى
محاولة مساعدتي على النجاة،
لا تلتفتي وراءك
وأقول لها: اطمئني
على أية حال، الأوراق
لا تعود إلى الشجرة، بعد رحيلها.

ولا تعود الأبواب إلى الغابة
فقط ستتردّد وتئنُ
حين يطرقها أحدهم
وحين تأتي ريح قوية
في ساعات متأخرة من الليل
تتذكر أنها كانت يوما ما
جذع شجرة.

عشنا في البيت منذ الطفولة
نجمع حقائبنا كي نهرب
هكذا نشأ تواطؤ بيننا
أخوات يتدربن على الرحيل دائما.

أتذكر الآن أن إحدى أخواتي قالت لي يوما ما
وهي تمشي وتجيء حاملة حقيبة سفر،
مثل عارضة أزياء في قاعة عرض،
في ممر بين غرفتنا والحديقة الخلفية للبيت
قالت إنها لا تحب شيئا بقدر حبها
لحمل حقيبتها والمشي بها.

لقد كنا أطفالا لعبتهم المفضلة
المشي حاملين حقائب السفر
ومنتظرين الرحيل.
منذ ذلك الزمن وأنا وهنّ
نركض بين الأمكنة
في عالم شاسع
دون أن ننتمي إلى أي مكان.

أتذكر أيضا أختي الكبرى
وهي تحرق كل صور طفولتها
قبل زواجها بأيام
لم أخبر أمي بما حدث
كما وعدتها.

لكنني لم أفهم حينها تلك الثقة
التي جمعت بها الصور ورمت بها
في مدفأة البيت.
حاولت دون جدوى
أن أقنعها أن تلك صور طفولتها
وقد تندم على حرقها.
لم تتردد، ولم تتراجع
وظللتُ إلى وقت متأخر،
أعتقد أن من يتزوج يحرق
صور الطفولة.
ولم أفكر حينها أنها هي أيضا
تريد فقط الرحيل
وأن النار التي كانت تلتهم صورها
كانت أقدم من ذلك بكثير.

أتذكر الآن أيضا أنني وقفت مرة
في درج البيت
بكل ما تجمعه ذاكرة طفل
من حقد حقيقي ونقي
التفت فجأة ووعدت أمي أنني لن أعود
إذا ما أتيحت لي فرصة للرحيل
أذكر حينها أن أمي
ارتعبت لأول مرّة أمام ذلك الوعد
هي التي لا تأخذ
كلام الأطفال بجدية أبدا

ليس الأبناء فقط من يعبث بتاريخ الآباء
ويعتقدون أن الآباء ولدوا كبارا
الكبار أيضا يعتقدون أن الأبناء
أطفال ينسون وعودهم بعد حين.
غير أنّ النار التي كانت تعشش في عينيّ
حينها كانت نفس النار
التي حدقت بها أختي
إلى صور طفولتها
وهي تحترق.